السيد محمد بيرم الخامس التونسي
228
صفوة الإعتبار بمستودع الأمصار والأقطار
الكائنة بالرملة ، وانهملت من الكل الدموع لما توقعناه للوطن العزيز ولا حول ولا قوة إلا باللّه . وهاته البلاد أعني إسكندرية هي ثاني مدينة في القطر المصري وهي مناخ تجارته مع سائر الممالك التي على البحر الأبيض والميحط الغربي ، وبها حصون حصينة وقشلات للعساكر ومكاتب عديدة لسائر الفنون ، وقصر للخديوي بقرب المرسى أنيق فاخر ومنزه عام خارجها بالمكان المسمى بالمحمودية ، وهو منزه نزيه جدا تنتابه الموسيقى الرسمية في العشية ولكن أكثر من يرد إليه إنما هم الأجانب ، وفي المحمودية طريق وسيع صناعي حوله الأشجار العظيمة يتماشى فيه المترفون بعجلاتهم وبقربه فرع من النيل وعليه آلات بخارية لرفع الماء وتصفيته وتقسيمه صافيا على البلاد في قنوات ، وأغلب طرق البلاد مبلطة بالحجارة حسنة المنظر سيما حارات الإفرنج التي بوسطها البطحاء الكبرى ذات الجنينة والفوّارات وحولها القصور الشاهقة ومن تحتها الحوانيت المزخرفة وبوسطها صورة محمد علي باشا « 1 » مجسمة ضخمة كأنه راكب جواده ، وأغلب طرق البلاد في حارات المسلمين ضيق وما عداها فهو متسع وبها من الجوامع الشهيرة جامع الإمام البصيري رحمه اللّه ، وهاته المدينة بناها إسكندر المقدوني « 2 » وهو الرومي اليوناني الذي نشأ في مقدونية المعروفة الآن بالروميلي في بلد قيلبه وهو تلميذ أرسطو « 3 » الذي أشار عليه بتفريق ممالك الفرس عند تغلبه عليها سنة 935 قبل الهجرة ، وقال له الحكمة المأثورة إلى الآن وهي : اقسم تحكم ، قال في الأقيانوس : وليس إسكندر هذا باني سد يأجوج ، فإن ذلك من الملوك المعروفين بالأذوا من قبائل حمير ببلاد اليمن ، واسمه الصعب ولقبه ذو القرنين ولقي إبراهيم الخليل وعانقه كما في الصحيحين ، وأطال في ذلك فليرجع إليه من أراده . وهذا مما يؤيد ما قلناه في الكلام على سور الصين في المقدمة وللّه الحمد . وقد سما الإسكندر هاته البلدة بالإسكندرية باسمه وكانت هي قاعدة الأقطار المصرية إلى الفتح الإسلامي ، وكان تجاهها جزيرة يقال لها جزيرة فارس فاتصلت بالبر برصيف بناء
--> ( 1 ) هو محمد علي « باشا » ابن إبراهيم آغا بن علي المعروف بمحمد علي الكبير . ( 1184 - 1265 ه ) . مؤسس ، آخر دولة ملكية بمصر . ألباني الأصل مستعرب . توفي في قصر رأس التين بالإسكندرية ودفن بالقاهرة . الأعلام 6 / 299 ، النخبة الدرية ( 10 - 16 ) . ( 2 ) هو الإسكندر الكبير الملقب بذي القرنين ( 356 - 323 ق . م ) ولد في مقدونية ، تعلم على أرسطو . وهو من أعظم الغزاة وأشجعهم خلف أباه فيليبس وعزم على فتح إمبراطورية الفرس فانتصر عليهم في إيسوس ( 333 ق . م ) ثم في سواحل فينيقيا ثم في مصر حيث أسس الإسكندرية وتابع زحفه إلى أطراف فارس . توفي في بابل . المنجد ص ( 43 ) . ( 3 ) هو أرسطو أو أرسطاطاليس ( 384 - 322 ق . م ) مربي الإسكندر . فيلسوف يوناني تأثرت بوادر التفكير العربي بتآليفه التي نقلها إلى العربية النقلة السريان وأهمهم إسحاق بن حنين . مؤلفاته في المنطق والطبيعيات والأخلاق . المصدر السابق ( 34 ) .